أكرم القصاص

أحمد طنطاوى

مصر الجديدة و"مشروع قومى/ دولى" فى اللغة الوطنية

الأربعاء، 01 يوليه 2020 09:47 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

باختصار ودون تمهيد، فالمشروع القومى الذى أعنيه هنا هو طرح "اختبار دولى" فى اللغة العربية ذى مستويات متدرجة مسبوقة بمقررات دراسية منتقاة بعناية، يوجه للناطقين بها ولغيرهم، وهذه الفكرة ليست جديدة، بل هى منفذة بالفعل، فهناك اختبار دولى موجه للناطقين باللغة العربية وغير الناطقين بها لقياس مدى إلمامهم بقواعدها التى تلزمهم فى الدراسة والعمل، وتأتى أهداف المؤسسة القائمة على هذا الاختبار رائعة وتستحق الاحترام، فكلها يدور حول النهوض باللغة العربية، ونشرها بين أبنائها والعالم، وقد نجحت هذه المؤسسة فى تعميم اختبارها والتعريف بنفسها على مستوى عدد من الدول عبر تكوين فرق لغوية والترخيص لمراكز متباعدة جغرافيا بالتبعية لها، تماما كالاختبارات الدولية المعتمدة فى اللغة الإنجليزية والحاسب الآلى، ومصر من الدول التى اعتمدت هذا الاختبار واشترطته رسميا للمتقدمين لوظائف التدريس فى تخصصات اللغة العربية بمسابقة التعليم الأخيرة، ومن المنتظر أن يُطلب هذا الاختبار فى المستقبل من طلاب الدراسات العليا وموظفى الدولة المرشحين للمناصب العليا، وبعض المهن التى تتصل اتصالا وثيقا باللغة العربية كالصحفيين والمدرسين والمحامين وغيرهم.

وحتى الآن فالفكرة جميلة، ومادامت منفذة ففيما الدعوة لها مجددا؟  

فى رأيى أن الاختبار الموجود الآن يواجه بعض المشاكل، ومنها:

1ـ أنه اختبار يسير بقواعد اللغة العربية فى طريقها التقليدى الذى يجمع بين الجاف والأخضر من أغصانها (المستعمل والمهمل من قواعدها)، رغم أن ديباجته تنص على تركيزه على النحو الوظيفى، لكننا نجده ـ مثلا ـ يقرر بين دروسه المفعول معه وبدل الاشتمال ويهمل دروسا أخرى مستعملة كالمجرور بنزع الخافض، كما تعتمد الأمثلة والأسئلة على نماذج افتراضية.

2ـ تأتى اختبارات هذه الشهادة كلها موضوعية بنظام "الاختيار من متعدد"، ومن المعروف أنه من عيوب الاختبارات الموضوعية عدم تمكنها من قياس "القدرة اللغوية" الحقيقية للدارس.

3ـ تتركز اختيارات هذه المؤسسة على الجوانب الرسمية للغة، وتهمل الجوانب الإبداعية والوجدانية.

4ـ تنحاز الصيغ والاختيارات اللغوية فى هذا الاختبار لما لا تنحاز له "الفصحى المصرية"، ولمصر بصمتها وروحها المتسقة مع خصائصها الإنثروبلوجية فى العربية على "كافة" مستوياتها ـ لاحظ ما يعنيه تنصيص كافة المضافة ـ وهذه النقطة بالغة الأهمية حتى لا يمتحن المصرى مادة هى ـ إلى جانب رسميتها ـ غريبة عليه فى اختياراتها المعجمية و"القواعدية"، وبالتالى يبدو مجمع اللغة العربية فى القاهرة بالمظهر الذى يصوره به بعض الشوام والمتشددون لغويا إن جاز التعبير، فهو فى رأيهم يتوسع فى التساهل ويجوز الخطأ.

5ـ الاختبار الموجود الآن يجمع إلى جانب أبواب القواعد الضرورية للغة العربية أبواب قواعد غير ضرورية ويلقى بهذا كله فى وجه الدارس مهما كان تخصصه، وبالتالى لا يراعى المدى الذى يكفيه من هذه القواعد، فالصحفى مثلا لن يحتاج إلى دروس القافية والعروض، وكذلك المحامى وطلاب الدراسات العليا فى غير تخصصات اللغة العربية، وموظفو الدولة لن يحتاجوا باب الأمثال والمعاجم، بينما قد يحتاج طالب الدراسات العليا المتخصص فى أحد أقسام اللغة العربية هذا كله.

ولأنه من غير المتوقع أن ترضخ المؤسسة المسئولة عن الاختبار الحالى لهذه الملاحظات، فمن الواجب ـ فى رأيى ـ أن تضع مصر للغتها الوطنية اختبارا دوليا ذا مستويات متدرجة، تحت إشراف مجمعها اللغوى وأزهرها وكليات اللغة العربية فيها، وهذا لن يكون انقساما بقدر ما هو تنوع، فالخلافات اللغوية بين المختلفين كلها رحمة وكلها صحيحة وكلها فصيحة، كما أن لدينا فى اللغة الإنجليزية مثالا مقبولا على تعدد اختباراتها.


مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء



لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة