أكرم القصاص

محمد أحمد طنطاوى

الاستثمار العقارى وقراءة فى دفتر الأرقام "4"

الخميس، 31 ديسمبر 2020 11:02 ص

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

التوسع العقارى فى مصر قضية شديدة التعقيد، فهذا البلد الذى يتجاوز سكانه 100 مليون نسمة، ويصل عدد الأسر فيه إلى 24.7 مليون أسرة، وفقا لبيانات الجهاز المركز للتعبئة العامة والإحصاء، مازال نمط التوسع العقارى فيه غير مفهوم، فالمقومات الجغرافية التى تجعل السكان يعيشون على 8% تقريبا من مساحة مصر، وفقا للتقديرات الرسمية، تحتم أن يكون التوسع فى البناء رأسيا وليس أفقيا، فالأول يحافظ على مساحة الأرض، ويضمن عدم التعدى على الرقعة الزراعية، وأقل تكلفة، وأكثر ملاءمة لفكرة الأسرة وظروف المعيشة، خاصة فى الريف، إلا أن الواقع يعكس وضعاً مغايراً تماما لما سبق.

وقد كشفت بيانات جهاز الإحصاء في آخر تعداد سكانى تم إجراؤه في العام 2017، أن أكبر عدد من المبانى والوحدات السكنية في مصر هي التى تتكون من طابق واحد فقط، ويصل عددها فى المناطق الحضرية إلى 1.1 مليون مبنى، بينما فى الريف 4.7 مليون مبنى، بإجمالى 5.8 مليون مبنى تقريبا، وهذا رقم يستحق التحليل والمتابعة من جانب الحكومة، أما إذا توقفنا عند المبانى المكونة من طابقين فقط يصل عددها بالمدن والمناطق الحضارية إلى 800 ألف مبنى، بينما فى الريف 3.2 مليون مبنى بإجمالى 4 ملايين مبنى، بينما المبانى المكونة من 3 طوابق عددها 799 ألف فى الحضر، و1.3 مليون مبنى فى الريف، بإجمالى 2 مليون و100 ألف، وهذا يشير إلى أن المبانى المكونة من طابق واحد إلى ثلاثة طوابق يصل عددها إلى 11.9 مليون مبنى من جملة 14.3 مليون، عدد مبانى الجمهورية بالكامل، بما يكشف أن نسبة هذه المبانى تشكل نحو 83.2% من إجمالى العقارات فى مصر، وكل هذه الأرقام يمكن الحصول عليها من الصفحة رقم 233 من كتاب تعداد سكان مصر، الصادر عن جهاز الإحصاء.

الأرقام الصادمة المتعلقة بالتوسع في النشاط العقارى بمصر لم تنته بعد، فمثلا عدد المبانى فى الريف المكونة من 6 أدوار فقط 32 ألف مبنى، بينما فى الحضر 247 ألف مبنى، فى حين المبانى المكونة من 10 طوابق، يصل عددها فى الريف إلى 769 مبنى فقط، بينما فى الحضر 16.7 ألف مبنى، أما تلك المكونة من 20 دور فأكثر يصل عددها فى الريف إلى 17 مبنى فقط، بينما فى الحضر 1078 مبنى، وأخيرا لا يوجد فى الريف مبان مكونة من 25 دور فأكثر، بينما يوجد 38 مبنى فقط فى الحضر مكونة من 35 دور فأكثر.

كل الأرقام السابقة تؤشر لحقيقة واحدة، وهى أن التوسع الأفقى فى القطاع العقارى بمصر هو السائد والأساس، ويشمل النسبة الأكبر من العقارات، وعلى الحكومة أن تتدخل بصورة عاجلة من أجل التوسع الرأسي بطريقة تكفل الحفاظ على الثروة العقارية، وتضمن عدم التعدي المستقبلي على الرقعة الزراعية، بالإضافة إلى الاستغلال الأمثل للمساحة البسيطة التى يعيش عليها السكان من إجمالي المساحة الكلية، لذلك يجب التعامل مع المشكلة فى ضوء الأرقام الرسمية الصادرة من الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، وألا يكون الموضوع مجرد اجتهادات أو قرارات مبنية على وجهات نظر تجافى الواقع.

التوسع الرأسي يخفض الأسعار بنسب معقولة ويعود بالفائدة على المستهلك والدولة فى وقت واحد، فلو تمت مضاعفة عدد الطوابق فى المبانى المكونة من دور إلى 3 أدوار، سوف نصل إلى ضعف الثروة العقارية الموجودة في مصر، لكن الأمر يجب أن يخضع إلى الكثير من الضوابط والإجراءات المنظمة، مع المزيد من التخطيط والمتابعة من الجهات والأجهزة المعنية في الدولة.

بقيت مجموعة الحلول التى يمكن طرحها لإنعاش القطاع العقارى خلال الفترة المقبلة، وكيف يبدو مستقبله، وهل البيانات والأرقام تؤشر لوضع إيجابى مرتبط بانتعاشة مقبلة أم أن القطاع العقارى على موعد ركود ممتد، وربما انهيار قادم.

أولاً: - القطاع العقارى يعاني فى الوقت الراهن من أزمة ركود ممتد، قد تستغرق عدة سنوات، وعلى الشركات العقارية، سواء الكبيرة أو المتوسطة والصغيرة أن تطرح مبادرات تسويقية تحمل فرص حقيقية للمستهلك، بحيث يتم تحديد هامش ربح معقول من 25 إلى 30%، بدلا من الأرقام الفلكية التى يتم الترويج لها وتصل حصيلة ربحيتها إلى 200 و 300% .

ثانياً: - التوسع فى فكرة التسليم الفوري للوحدات السكنية، حتى نتجاوز الصورة الذهنية السلبية عن بعض الشركات العقارية، التى كثيراً ما تتورط مع المواطنين فى وقائع نصب واحتيال، خاصة الشركات الصغيرة.

ثالثاً: - طرح فكرة التقسيط لمدد زمنية طويلة تصل إلى 20 أو 30 عاماً، دون أن تكون هناك أعباء كبيرة لهذه الديون، تجعل الزبون المحتمل يعزف عن القرار الشرائي أو يشعر بالمخاطرة لحيازة وحدة سكنية.

رابعاً: - الشراء المخطط للعقار وعدم المقامرة بالاستثمار فى أوقات يعاني فيها السوق من ضغوط كبيرة، خاصة فى ظل جائحة كورونا وكل ما تبعها من ركود وانكماش فى الاقتصاد المحلى والعالمي.

خامساً: - يجب أن يضع حائز العقار أو المقبل على الشراء فى اعتباره أن القفزات السعرية فى الشقق السكنية أو الإدارية والوحدات بمختلف أنواعها لن تحدث فى المدى الزمنى القصير والمتوسط، وما حدث بعد تعويم الجنيه فى 2016 لن يتكرر مرة أخرى، والسوق العقارى سيعيش حالة السكون لسنوات مقبلة.

سادساً: - التوسع الرأسي فى بناء العقارات فريضة غائبة، ويجب أن تعيد الحكومة تخطيطها بالصورة التى تكفل الحفاظ على هذه الثروة، وحماية الأراضي الزراعية وضمان حقوق الأجيال المقبلة فى المسكن المناسب.

سابعاً: -  طرح مبادرات حقيقية من جانب البنوك للتمويل العقارى بأسعار فائدة مناسبة، على سنوات طويلة تصل إلى 30 و40 عاما كما يحدث فى أوروبا وأمريكا، بحيث يتم إنعاش حركة البيع والتخلص من الركود الممتد، الذي يسيطر على الوضع الآن، والتقليل من الإجراءات الورقية المطلوبة، والمستندات غير المحدودة، التى تساهم بشكل غير مباشر فى عزوف الآلاف عن فكرة التمويل العقارى.

ثامناً: - أفضل حافز لتشجيع المواطنين على السكن والتوطن فى المدن الجديدة، توفير وحدات سكنية مناسبة، بأسعار ملائمة، وخدمات حقيقية، لشرائح اجتماعية مختلفة، وبدون هذه الخطوة ستكون المدن الجديدة مجرد مقرات إدارية لن تحقق الهدف المطلوب.

تاسعاً: - العقار يأكل ويشرب، وما كان يتم تسويقه فى الماضي على عكس هذه الفكرة غير صحيح، فالعقار يأكل مدخراتك فى البنوك التى كان يمكنك الحصول عليها طول مدة حيازتك له، كما أنه لن يحقق عوائد سريعة أو مكاسب ضخمة عند بيعه فى الوقت الراهن، خاصة مع حالة الركود الكبيرة التى تعيشها أسواق الاستثمار العقارى فى مصر والعالم.

عاشراً وأخيراً: - استخدام الأرقام وتحليلها يجب أن يكون ضمن الفنون التى تجيدها الحكومة المصرية فى الفترة المقبلة، بحيث يتم توظيفها بالصورة الصحيحة، فالرصد والإنتاج للأرقام مرحلة مهمة، لكن الأهم كيفية استخدامها والتعامل معها بالصورة التى تدفعنا نحو مستقبل أفضل.


مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

الموضوعات المتعلقة




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة