خالد صلاح

جيهان فوزى

رسالة من أطفال فلسطين إلى ضمير العالم

الأحد، 23 يناير 2011 08:53 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
استطاع الطفل الفلسطينى المقدسى ذو العشرة أعوام أن يأسر قلوب الملايين ممن شاهدوه على قناة mbc4 من خلال برنامج اكتشاف المواهب العربية Got Talent Arb’s, أبكى عصام كل من شاهدوه بما فيهم لجنة التحكيم, وسرعان ما انهالت رسائل الإعجاب بالطفل الفلسطينى "عصام بشيتى" من مختلف المواقع والمنتديات الإلكترونية وانتشرت أخباره فيما يزيد عن 1500 موقع, ودشن نشطاء حملة على الفيس بوك لدعمه فى مارثون البرنامج.

شارك عصام فى البرنامج بإلقاء قصيدة كتبها والده عن معاناة أطفال فلسطين بعنوان "أحلام الطفولة" التى أثرت على نحو خاص فى لجنة التحكيم تأثيراً بالغاً جعلت العميد على جابر يذرف الدموع, وتمنت نجوى كرم أن يصبح كل الفلسطينيين مثله, وعبر الإعلامى عمرو أديب عن رغبته باحتضان الطفل مثل أى أب معجب بابنه ويرى فيه مستقبلاً واعداً, وأبدى أسفه العميق والمتألم لأنهم لم يستطيعوا حتى الآن تحرير القدس.

لقد لفت انتباهى من بين مئات التعليقات التى نشرت حول الموضوع تعليق الطفلة الفلسطينية المقدسية نور التى أرادت من الجميع أن يقرأ رسالتها هذه, لأنها حريصة ألا يشفق العالم على أطفال شعبها, بل تريد إنصافهم وتشجيع مواهبهم الحقيقية أمثال عصام, تقول: "أنا نور من فلسطين من القدس أنا بحيى عصام على شجاعته وجرأته الله يحميه ويخليه لأهله, بس عندى عتاب على بعض الناس اللى حكو إن اللجنة وافقت تخليه بالبرنامج لأنهم أشفقوا عليه وهذا الحكى مش مظبوط هو عن جد موهوب هو عمره عشر سنوات مافى حد بعمره بيقدر يلقى الشعر ويوقف قدام الكاميرا وما بيتلبك وبقول للناس بكفى اتحسسونا بالشفقة إحنا ما بنحب حد يشفق علينا إحنا مثلكم ما بنفرق عنكم عنا مواهب بكل المجالات وإحنا بنحب ونكره مثلكم بس عنا ظروف أقوى منا ومنكم حتطنا فى هيك ظروف وياريت تعطونا الفرصة انفرجيكم شو عنا من مواهب بس بدون شفقة لأنا شعب ما بنحب الشفقة, اللى مابتعرفو عنا إحنا شعب قوى جدا ومابنخاف وياريت رسالتى تنشر وتوصل للناس".

نور لا تريد من يشفق على شعبها, بل تريد من ينصفه ويعطيه الفرصة ويقدر ظروفه, وعصام أيضا جاء بثقة وقوة جعلت من أدائه المتميز جسر عبور آمن إلى قلوب الناس وأعضاء لجنة التحكيم, هذا الطفل الذى أتى من القدس عابرا للحدود بإصرار ليسمع صوته الهادر إلى العالم يشدو بقصيدة تعبر عن واقع الطفولة الفلسطينية المرير والرغبة الملحة فى العيش بأمان بعيدا عن ظلام الليل وسجون الاحتلال والرعب الذى يبثه فى كل مكان.

حدثينى يا دليلة كيف أحلام الطفولة
هل سمعت الريح همسا بين أغصان الخميلة

وبعد أن يتساءل عن ماهية أحلام الطفولة يبين كيف يعيش الطفل الفلسطينى خوفا ورعبا وفزعا
أم تخافين الليالى والكوابيس الطويلة
من صراخ وعواء وخطى الجندى الثقيلة
يملئون الليل رعبا فى بساتين القبيلة
عصام الذى أبكى الجمهور ولجنة التحكيم قال باعتزاز، "أنا جاى أعبر بشعرى عن معاناة الشعب الفلسطينى، وقد نجح.

نجح عصام فى إبراز معاناة أطفال فلسطين, وكسر حاجز الصمت والعزلة والخوف, لن يكون عصام الطفل الأول ولا الأخير الذى سيحمل على كاهله قضية شعبه, وهو ليس الوحيد الذى يمتلك الموهبة والتميز والقبول "مهضوم"، على حد تعبير نجوى كرم, فهناك آلاف الأطفال الفلسطينيين الذين حباهم الله مواهب عديدة, غير أن طبيعة الحياة الصعبة والخشنة والقاسية التى يعيشونها جعلتهم يقدمون مواهبهم بل وأرواحهم قرابين تضحية فى حب الوطن, تنحت أحلام طفولتهم جانبا أمام هدف أسمى, وتحولت هذه الأحلام والمواهب إلى واقع قاس أنضج طفولتهم قبل الأوان, وزرع بداخلهم بذور المسئولية المبكرة فتخلوا عن رغد العيش فى سبيل استرداد وطن مسلوب, فجاء على حساب طفولتهم وبراءتهم, ورفعوا راية النضال منذ نعومة أظافرهم فلم يحظوا بترف الحياة الآمنة مثل باقى أطفال العالم, لم يتوفر لهم الأمان ورفاهية الانطلاق نحو المستقبل والأمل فى غد مشرق, لم يمنحوا الحرية التى طالما صبوا إليها وهى حق لهم, حلموا بها فى عوالمهم الصغيرة, فى ظلمة الليل الحالك السواد الذى تصبغه عليهم قوات الاحتلال الإسرائيلى صباح مساء وهم يقضون لياليهم المظلمة تحت قذائف الدبابات, وأزيز الطائرات التى تقتحم فضاءهم الرحب بلا رحمة, فتحوا أعينهم للحياة فلم يجدوا سوى الظلمة ولون الدم القانى يلف براءتهم, رضعوا قسوة الظروف المحيطة بهم حتى أصبحت جزءاً من نسيج تكوينهم النفسى والإنسانى, لنجد أطفالا شبوا وغدو رجالا وأصبحت ثقافتهم البارود وحمل السلاح لتحرير أرضهم السليبة.

أطفال فلسطين نضجوا قبل الأوان وكبروا بسرعة لم يتوقعونها, أفكارهم سلوكياتهم نمط حياتهم وأحلامهم, ويكفى أن يعيش كل بيت فلسطينى مخضبا بدماء شهيد أو معتقل.

لم ترحم قوات الاحتلال براءتهم بل استهدفتها بشكل متعمد انتهكت بكارتهم الأولى واستباحت عذريتهم دون أن يطرف لها جفن, السجون الإسرائيلية تضج بالأطفال القصر الذين يتعرضون لأقسى أنواع الاعتداء الجسدى والانتهاك النفسى, ويعتبر الضرب فى جميع أنحاء الجسم والشتائم والإهانات ولسع السجائر فى أجسادهم النحيلة وحرمانهم من النوم لساعات طويلة والاعتداء بالسكاكين والشفرات, هى من الأمور اليومية التى تمارس ضدهم ولا يقتصر التعذيب على ذلك, بل يلجأ المحققون الإسرائيليون إلى اتباع أساليب قذرة كصب مياه باردة جدا على الأسرى الأشبال يتبعونها بمياه ساخنة ووضع أكياس على رؤوسهم وإطلاق أعيرة بلاستيكية صغيرة عليهم, كما يقتحم الجنود عليهم غرفهم ويعملون على ترويعهم بعد قطع التيار الكهربائى عن هذه الغرف بشكل روتينى وشبه يومى, وإغلاق جميع النوافذ لحجب دخول أشعة الشمس والهواء إلى الغرف وإجبارهم على حمل الأجسام الثقيلة وغيرها من الوسائل المرعبة والقاسية التى تتسبب فى تحطيم وتشويه نفسياتهم.

لم تكتف الحكومة الإسرائيلية بهذا القدر من التعذيب, بل زجت عددا من القاصرين فى قسم السجناء الجنائيين مع المجرمين والمنحرفين ليتعرضوا فيها لاعتداءات بالسكاكين على يد سجناء جنائيين.

ورغم أن جميع الدول تستثنى الأطفال من العقوبات القاسية مثل السجن مراعاة لعدم نموهم النفسى والوجدانى والعقلى إلا حكومة إسرائيل التى بلغت نسبة الأسرى الأطفال القاصرين داخل سجونها 50% من إجمالى عدد الأسرى الفلسطينيين, ومع تزايد درجات القمع والتعذيب الإسرائيلى يؤكد الأطباء النفسيون بأن زج الأطفال فى المعتقلات وتعريضهم للتعذيب الجسدى يترتب عليه آثار نفسية واضطرابات ذهنية عديدة حيث يشعر الطفل بعزلة عن المجتمع وتتحطم معنوياته ويصيبه الانهيار العصبى والاكتئاب, كما أن احتجازهم مع المجرمين والمنحرفين يعرضهم لعذاب نفسى يشعرهم أن جميع من حولهم سلبيون وغير صادقين, الأمر الذى يخلق عدوانية وإحساسا بالغضب وعدم التمييز بين الخطأ والصواب.

وكما قالت نور فى رسالتها, رغم كل هذه الظروف البشعة وقسوتها، فهم يملكون القدرة على إخراج مواهبهم وإبداعاتهم وطاقاتهم الخلاقة دون الحاجة للإحساس بالشفقة, فهم لا يريدون من يشفق عليهم, بل يريدون من ينصفهم ويقدر مواهبهم ويحترم قدراتهم لأنهم يملكون منها الكثير.

وإذا كان أطفال فلسطين فى الأراضى المحتلة بهذه الخصوبة والثراء, فإن أطفالهم فى الشتات ومخيمات اللجوء لا تقل موهبة وإبداع عنهم وإن اختلفت ظروف المعاناة التى لا تقل وطأة على النفس من معاناة أبناء الوطن تحت الاحتلال, إحدى هذه المواهب البضة طفلة فلسطينية تعيش فى مخيم عين الحلوة أحد مخيمات اللجوء فى لبنان, الطفلة ميساء حداد ذات السبعة أعوام شدت لأبيها المقاتل أغنية وداع "لكنها ترجو فيها العودة", تنم عن مدى الصلابة والوعى لديها رغم حداثة سنها.. تقول:
أول مرة بشوفك يابا بتبكى ليش يابا وين رايح وين
وليش أمى مش عم تعرف تحكى وأنت وهى بتحكو بدمع العين
وبتبوسنا بلهفة ومعنى وأنا واخواتى مش فاهمين
يابا إن كانك بتودعنا خدنا راح تتركنا لمين
قال للثورة وللناس الحلوين
إن كان يابا ناوى تروح بس اوعدنا بهدية
ترجع يابا لو مجروح ورجوعك أغلى هدية
الوطن هناك بس خدنا معاك بس خدنا معاك

هذه هى فلسطين, وهذا هو قدر أبنائها.. يسرق الاحتلال أرضهم وطفولتهم وبراءتهم ورغم ذلك لم ييأسوا ومازالوا يحلمون فى غد قد تطلع عليه شمس الحرية التى طال انتظارها.

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء


لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة